May 27, 2005

شبان إيرانيون يروون كيف تحول ربيع «هايد بارك» إلى .. «صيف الخشونة»

أربعة شبان شاركوا في حملة خاتمي الانتخابية 1997 يحكون عن «الأنيق واللطيف»
لندن: علي نوري زاده
«ربيع الحرية» في ايران 1997 كان عمره قصيرا. فسنوات حكم الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي التي قاربت على الانتهاء لم تحقق ما حلم به الايرانيون من نقل البلاد الى مرحلة جديدة لا تخضع فيها السياسة لسيطرة رجال الدين. وكان الاحباط كبيرا لأن ارهاصات الحركة الاصلاحية وانتخاب خاتمي اعطت الايرانيين شعورا بان خط الاصلاح سيسير للأمام وهو ما لم يتحقق.

. وكانت محطة 1997 هي الاولى بعد الثورة ذاتها التي شعر فيها الايرانيون بامكانيات التغيير. فما هي خصوصية حركة خاتمي الاصلاحية ؟ وكيف يفكر خمسة شباب ايرانيين شاركوا في مكتب خاتمي الانتخابى في مسار الحركة الاصلاحية وما آلت اليه بعد ثمانية اعوام على بدايتها؟ بعد الثورة الايرانية في فبراير (شباط) 1979، ذاق الايرانيون طعم الحرية، وبين ليلة وضحاها وجد المواطن الايراني نفسه امام واقع جديد في حياته وهو حرية التعبير عن آرائه ومواقفه، ليس فقط امام جامعة طهران التي تحولت الى «هايد بارك» الحرية فى ايران، بل على صفحات العشرات من الصحف والمجلات التي لم تعد هي ايضا تحت أي نوع من الرقابة. وشعر المواطن الايراني، لأول مرة منذ عقود، انه قادر على اختيار حكامه. غير أن «ربيع الحرية» هذا مثل السحابة الربيعية، سرعان ما حل مكانه صيف الخشونة والقمع، ثم المواجهات الدامية بين السلطة الثورية الجديدة والايرانيين في المدن والأرياف، وهي المواجهات التي اعادت البلاد الى اجواء سنوات القمع ومصادرة الاقلام والأفكار. واستمر النظام في اجراء الانتخابات التي تحولت بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الاولى الى منافسة بين «الموالين» ومن هم «اكثر ولاءً» لولاية الفقيه. ولم تكن نسبة مشاركة الناخبين في الانتخابات مهمة، اذ ان النظام لم يكن يواجه تحديا حقيقيا من قبل المعارضة المتشتتة، خاصة في ظل أجواء الحرب العراقية ـ الايرانية، والمشاكل الاقتصادية. غير ان الاجواء تغيرت عام 1997 بسبب توتر علاقات طهران بالغرب على خلفية قرار محكمة برلين ادانة القيادة الايرانية بسبب اتهامها بالتورط في عمليات اغتيال قادة الحزب الديموقراطي الكردي بمطعم ميكونوس ببرلين، وازدياد النقمة الشعبية بسبب الغلاء والفساد وأساليب القمع التي كانت تمارسها اجهزة الامن ووزارة الاستخبارات. وما لم يكن واردا في حسابات القيادة الايرانية ان الجيل الذي نشأ في رحم الثورة ونما في اجواء الحرب سوف يقود ثورة ضد كل ما يمثله النظام.
في هذه الاجواء ظهر خاتمي، وزير الثقافة والارشاد السابق، الذي استقال من منصبه احتجاجا على تدخل الولي الفقيه وأجهزة الامن في شؤون الثقافة وتشديد الرقابة على الصحف والمنتجات الادبية والفنية. ان «ظاهرة خاتمي» رغم ارتدائه العمامة والعباءة كانت هي ايضا مختلفة عن ظاهرة بقية رجال الدين، بحيث كان انيقا في ظهوره ولطيفا في خطابه، بل ان ادبياته كانت هي ايضا متميزة عما سمعه المواطن الايراني وخاصة الشبان منهم من رجال الدين. لقد كان يتحدث عن المجتمع المدني والديمقراطية والفن والثقافة، كان يدعو لمراعاة حقوق الانسان والحوار بين الحضارات.

وهنا يتذكر فريد طلائي، الذي عاش لحظات فوز خاتمي وكان ضمن المئات من الشباب الذين شاركوا في مكتبه الانتخابي تلك اللحظات والآمال التي كانت معلقة على فوز خاتمي. ويقول فريد «حينما كنا نذهب مع الرئيس خاتمي خلال حملته الانتخابية الى الجامعات والمراكز الثقافية التي انشئت على ايدي غلام حسين كرباستشي، عمدة العاصمة الاصلاحي آنذاك والمحرك الرئيسي وراء الدعاية الانتخابية لخاتمي، كان الطلبة والشبان لا يبدون فقط سرورهم وترحيبهم بخاتمي بل لأول مرة كانوا يعبرون عن آمالهم ومطالبهم وانتقاداتهم لمنهج الحكم وأركان النظام بحرية كاملة. لقد كان خاتمي يستمع اليهم بهدوء ثم يبتسم ويقول:«انني اعتمد عليكم لبناء مجتمعنا الجديد. هناك امراض خطيرة مثل الاستبداد والفساد والتعصب يعاني منها مجتمعنا الايراني، وعلينا ان نشارك جميعا في مكافحة هذه الامراض واستئصالها من جسد الشعب».

ومن ثمانية طلاب انضموا الى طاقم الحملة الانتخابية لخاتمي تحدثت «الشرق الأوسط» مع اربعة منهم، بسبب وجود ثلاثة في السجن. اول هؤلاء الاربعة برويز علوي الذي ينتمي الى اسرة معروفة في الوسط الديني، يعمل اليوم محاسبا في احدى الشركات الحكومية بعد ان قضى سنة في سجن «ايفين» بتهمة التآمر للإضرار بسمعة النظام وذلك بعد اجراء مقابلة هاتفية مع اذاعة «صوت اميركا». وقد قرر برويز مقاطعة الانتخابات المقبلة، وهمُّه اليوم مركز على جمع بعض المال كي يغادر ايران نهائيا الى الولايات المتحدة.

الثانية هي نيلوفر صفائي، التي كانت متحدثة باسم تنظيم طلابي وطني في جامعة طهران. تزوجت نيلوفر من زميلها سعيد مهدوي الذي خرج من السجن قبل عامين وهو لا يزال عاطلا عن العمل. نيلوفر تعمل مراسلة لإحدى الصحف المحافظة، بعد ان فقدت عملها في صحيفة «بهار» الاصلاحية الموقوفة منذ ثلاثة اعوام. لم تتخل نيلوفر وزوجها عن آمالهما، غير انهما لا ينويان المشاركة في الانتخابات بعد ان تبين من خلال تجربة خاتمي ان اصوات الناخبين لن تغير شيئا طالما الدستور منح السلطة الاولى والاخيرة الى الولي الفقيه غير المنتخب.

اما الثالثة فهي شهين صارمي، التي كانت في مايو (أيار) 1997 مسؤولة عن اللجنة الطلابية المؤيدة لخاتمي في جامعة «شيراز» جنوب ايران. وتعمل اليوم مدرسة في احد معاهد تربية المدرسين في طهران. شهين عازمة على الادلاء بصوتها لصالح هاشمي رفسنجاني لانه حسب رأيها الوحيد القادر على التصدي للمحافظين والراديكاليين. كما ان المرشد الاعلى اية الله علي خامنئي لا يستطيع تجاوزه. وأخيرا فريد طلائي نفسه، الذي تولى في مقتبل شبابه مسؤوليات مهمة في حزب «كوادر البناء»، ومكتب حسين مرعشي مساعد رئيس الجمهورية وقريب هاشمي رفسنجاني، كما كان من كبار مديري المنطقة التجارية الحرة جنوب ايران، وهو اليوم يستعد لدراسة الماجستير في احدى الجامعات البريطانية حيث سيدرس «الأمن الدولي». ويقول فريد «بعد احداث 11 سبتمبر، اصبح الامن مصدر اهتمام العالم كله، وفي بلد مثل ايران حيث تواجه تحديات عدة من مختلف الجهات، لا بد ان اكون شابا مسلحا بسلاح العلم. لقد حاول خاتمي ان يجد علاجا للامراض التي نعاني منها، وأرى ان بلادنا تحتاج قبل كل شيء الى من لديه الدراية المطلوبة حول الأمراض التى نعانيها». لقد نجح خاتمي في تغيير العقلية التدميرية (أي شعارات إسقاط النظام) الى العقلية الإصلاحية عند اجيال الثورة. وقد سجلت كاميرات مراسلي الوكالات والتلفزيونات العالمية يوم 23 مايو (أيار) 1997 بعض المشاهد التاريخية امام حوزات الاقتراع حيث كان شبان، تراوحت اعمارهم بين 17 و20 عاما، يشيرون الى والديهم ممن جاءوا الى صناديق الاقتراع بعد مقاطعة دامت 15 عاما، بتشجيع من اولادهم كي يدلوا بأصواتهم لصالح خاتمي.

مرة اخرى وعشية الانتخابات الرئاسية المقبلة اصبحت مطالب الشبان الايرانيين تتصدر قائمة اهتمامات المرشحين الذين يتحدث جميعهم من مهدي كروبي البالغ من العمر سبعين عاما الى الجنرال محمد قاليباف العسكري الشاب البالغ عمره 45 عاما عن الشباب، وفي برامجهم بنود حول ايجاد فرص عمل لخريجي الجامعات والشبان العاطلين، وتعزيز الحريات الشخصية. يقول فريد طلائي «في نهاية عهد هاشمي رفسنجاني ازداد الاهتمام بالشبان، بحيث فتحت حيالهم الابواب التي باتت مغلقة لسنوات عدة، وقد جاء خاتمي ليفتح ابوابا اخرى. ونظرة الى الكوادر الثانوية في حكومة خاتمي والدورة السادسة للبرلمان تكشف ان متوسط اعمار هؤلاء الكوادر والنواب لم يكن يتجاوز 35 عاما. غير ان مسار الاحداث، لا سيما بعد انتفاضة الطلبة في العام الثالث لرئاسة خاتمي وحملة الاعتقالات التي طالت ابرز قادة الحركة الطلابية والمثقفين والكتاب الذين كانت الاجيال الشابة تحبهم وتتبع خطاهم الفكري، تسبب مرة اخرى في حصول القطيعة بين الشبان الايرانيين والحكم». ان مليونا وست مائة الف من الايرانيين الذين بلغوا السادسة عشرة من اعمارهم، سيدلون بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية المقبلة لأول مرة في حياتهم. مثلهم مثل سبعة ملايين من الشبان الذين صوتوا لأول مرة خلال الدورة الاولى والثانية لرئاسة خاتمي. وخلافا لما شهدته الحوزات الانتخابية في تلك الدورتين من ازدحام شبابي ونسائي، تدل المؤشرات كافة ان الناخبين الجدد ليسوا معنيين بالانتخابات. ويعتبر فريد ذلك بمثابة إنذار خطير للنظام.




May 27, 2005 12:55 PM







advertise at nourizadeh . com