January 29, 2010

جريده الجريده

logo.gif

مئة عام من الثورة في إيران... مجالس الأسبوع
د. علي نوري زاده
liakhof.jpg


قبل مئة عام ونيّف، وبالتحديد في عام 1906، هبّ «الدستوريون» في فلول غاضبة اجتاحت العاصمة طهران في ثورة أُطلق عليها «المشروطية» أو «ثورة الدستور»، خلخلت عرش سلاطين الدولة القاجارية وسلالتهم التي امتدت في حكم إيران أكثر من 110 أعوام... وبعد حوالي سبعة عقود اندلعت الثورة الإسلامية لتطيح عائلة بهلوي من حكم إيران معلنةً بداية جمهورية إيران الإسلامية... واليوم تعيش إيران مرحلة غليان تعيد إلى الأذهان بدايات القرن الماضي، في إرهاصات توحي برغبة التاريخ أحياناً في استعادة أحداثه البارزة بين الفينة والأخرى، وما أشبه الليلة بالبارحة.

mortazavi.jpg

المجلس الأول:

جمادى الأولى 1326 الهجري.

أمر جلالة السلطان بن السلطان والخاقان بن الخاقان بإحضار قائد قوات القزاق -الوحدة المنتظمة الوحيدة للجيش الإيراني حينئذ- الكولونيل لياخوف الروسي وبعض رجال الدولة الذين ظلوا موالين للسلطان (محمد علي شاه القاجار) إلى مقره المؤقت في معسكر «باغشاه» وسط طهران، وذلك بعد يوم من قصف مجلس الشورى الإسلامي واعتقال عدد من النواب وقيادات الثورة الدستورية والكتّاب، وفرض الإقامة الجبرية على بعض الآيات المؤيدين للثورة الدستورية وفي مقدَّمهم آية الله السيد محمد بهبهاني، وآية الله السيد طباطبائي.

وفي ما يلي بعض ما دار في جلسة السلطان محمد علي شاه والمشاركين في مجلسه وفقاً لمذكرة السفير البريطاني في طهران، وأيضاً كتاب «الثورة الدستورية» للمؤرخ الكبير «أحمد كسروي»، ومذكرات رئيس الوزراء والسياسي الشهير مخبر السلطنة هدايت، الذي عاش عهد ستة ملوك من ناصر الدين شاه القاجار إلى محمد رضا البهلوي -آخر ملوك إيران- السلطان محمد علي شاه:

نحمد الله القاصم الجبّار الذي ساعدنا للقضاء على فتنة المشروطية -الدستورية- وتحطيم رؤوس الخونة والكفرة والملاحدة -الملحدين- والمفسدين في الأرض، كما نشكركم جميعاً وأنتم خير رجال بحيث أثبتم بجدارة خطواتكم وبسالتكم وولاءكم لنا باعتبارنا ظل الله ووارث التاج القاجار.

إن ما يسمى بمجلس الشورى الوطني لم يكُن إلا وكراً للفتنة والإلحاد، لهذا دمرناه على رؤوس الخونة والمتآمرين.

- الشيخ آية الله فضل الله نوري كبير العلماء المعارضين للثورة الدستورية، الذي حرّض السلطان محمد علي شاه على تدمير البرلمان واعتقال المناضلين الأحرار وقادة الثورة الدستورية:

الحمد لله الذي كرَّمنا بوجود سلطان مثلكم ومليك لا همّ له سوى تطبيق الشريعة ونشر كلمة الله في الأرض، إننا منذ إطلاق ما يُسمى بالمشروطية (الثورة الدستورية)، قلنا مراراً إن هذه الحركة معادية لقيم ديننا الحنيف، لكن الخاقان الراحل (مظفر الدين شاه والد محمد علي شاه، الذي منح الشعب حقوقه بالتوقيع على كتاب الدستور وتأسيس مجلس الشورى الوطني)، الذي كان يعاني مرضاً عضالاً رضخ لضغوط بعض المتآمرين ووافق على تأسيس مجلس الشورى الوطني ومطالب قادة الفتنة، لكن بفضل عناية الله سبحانه وتعالى ورحمته، نحن اليوم رعايا سلطان مؤمن وعاهل مقتدر وجبار لم يرفض أقاويل المتآمرين على الدين والسلطنة فحسب، بل أمر جيشه الجبار بتحطيم دار الفتنة وتدمير رؤوس المتآمرين وحبسهم، لقد حاولنا بشتى الطرق والوسائل وبتوجيه النصيحة إلى الضالعين في الفتنة (أي في الثورة الدستورية) أن نحل الأزمة، قلنا لهم كيف تريدون أن يقبل ملك ملوك بلاد الإسلام مساواة شيعة صاحب الزمان مع اليهود والنصارى والمجوس؟ (وفقاً لأحد بنود الدستور فإن رعايا إيران متساوون حيال القانون، بغض النظر عن دينهم وانتمائهم العرقي والطائفي).

كيف يمكن أن نسمح بتأسيس المدارس الجديدة، إذ تدرس العلوم الجديدة المستوردة من بلاد الكفر (من أهم مطالب قادة الثورة الدستورية تأسيس المدارس الحديثة والجامعات)، كالعلوم الطبيعية التي تضلل أفكار أبنائنا بأقاويل مثل نفي النص الديني بخلق البشر من بطن حوّاء عليها السلام والصلاة، وتأكيد أن أصولنا تعود إلى القرود؟

كيف نقبل أن يكون للشاه والرعية صوت واحد! هل صوتي، أي صوت رجل قضى عمره في الحوزة وهو مجتهد وعالم، يساوي صوت فلان الحمّال والبنّاء الأمّي؟

- السلطان محمد علي شاه: لقد أمرنا هذه الليلة بمحاكمة وإعدام قادة الفتنة وقطع رؤوسهم، تعالوا معي إلى ميدان مشق (مكان إعدام قادة الثورة الدستورية بمعسكر باغشاه) لنشهد إعدام الخونة.

المجلس الثاني:

جمادى الثاني عام 1327 الهجري بعد عام من قصف مجلس الشورى الإسلامي وإعدامات باغشاه.

المكان: السفارة الروسية في زرغنده شمال طهران.

السلطان بن السلطان والخاقان بن الخاقان محمد علي شاه القاجار يبكي، رواية مخبر السلطنة وهو قد وصل من باغشاه إلى السفارة الروسية، هارباً من المجاهدين الدستوريين الذين دخلوا العاصمة من كل صوب واحتلوا القصر الملكي وتوجهوا نحو باغشاه لاعتقال قادة المستبدين (مؤيدي السلطان وأتباعه)، يبكي محمد علي شاه ويقول: ليت العرش يعود! آه... لماذا لم أقبل نصائح الرجال الشرفاء في بلاطي؟ لماذا قبلت وساوس الشيخ فضل الله ولياخوف وأمرت بقصف البرلمان؟

يدخل حاجب الدولة ويسلم السلطان برقية وصلت إلى السفارة قبل دقائق ومفادها؛ «أن هيئة المديرة -لجنة شكلها قادة الحركة الدستورية بعد فتح طهران لإدارة البلاد حتى تشكيل الحكومة الشرعية- قررت عزل محمد علي شاه بسبب ما ارتكبه من الجرائم بحق الشعب وتنصيب ولي العهد السلطان أحمد شاه -خلّد الله ملكه- ملكاً على إيران».

لقد كان ولي العهد طفلاً عمره سبع سنوات برفقة والده، أي الشاه المخلوع بالسفارة الروسية، وقد أرسلت الحكومة المؤقتة وفداً إلى السفارة لمرافقة ولي العهد إلى القصر الملكي، وتعيين عضد الملك كبير رجال أسرة القاجار نائب السلطنة حتى بلوغ الشاه الصغير السن القانونية 18 عاماً، لتولي العرش مباشرة.

بوصول الوفد إلى السفارة كان مشهد وداع الشاه المخلوع من ابنه وولي عهده أحمد الميرزا حزيناً ودراماتيكياً، إذ كان ولي العهد يبكي كأي طفل لا يريد الابتعاد عن والديه، والشاه المخلوع كان أيضاً يجهش في البكاء كلما أدلى بكلمة.

المجلس الثالث:

رجب عام 1327 الهجري.

-المكان: ميدان توبخانة وسط طهران.

- توجه المئات من أهالي العاصمة إلى ميدان توبخانة منذ الساعات المبكرة للصباح لمشاهدة مراسم إعدام كبير العلماء وأحد أبرز معارضي الثورة الدستورية آية الله الشيخ فضل الله نوري (أصدرت محكمة خاصة تم إنشاؤها بعد عزل محمد علي شاه واستيلاء المجاهدين الدستوريين على العاصمة تحت رئاسة أحد العلماء الدستوريين آية الله زنجاني، في هذه المحكمة التي بارك المرجع الأعلى حينئذ، آية الله نائيني المقيم في النجف تشكيلها كما هو، والمرجعان البارزان الحائري المازندراني والآخوند الملا كاظم الخراساني، أصدرت حكما مضمونه «ان الشيخ فضل الله نوري مفسد في الأرض ومحارب ودفعُ شرِّه واجب والله أعلم»، في هذه المحكمة جرت محاكمة الشيخ فضل الله وعدد من معارضي الثورة الدستورية وأصدرت المحكمة حكماً بإعدامهم).

- يأتي الشيخ فضل الله نوري وهو بين عدد من الجنود، يبدو خائفاً وقلقاً، يقترب من المشنقة ويمكث بضع دقائق، بحيث يخاطب آية الله زنجاني قائلاً: أنت مسبب الفتنة وقتل المئات من الناس الأبرياء، وبحكم المحكمة وتأييد رؤساء الملة والدين، نعدمك لتطهير الأرض من وجودك المنحوس!

بعد دقائق معدودة يرقص جسد الشيخ فوق خشبة المشنقة، والمثير أن نجل الشيخ الذي كان من الدستوريين البارزين يعرب عن سروره بإعدام والده!

المجلس الرابع:

المحرم عام 1431 الهجري

المكان: معتقل كريزك جنوب طهران.

المدعي العام الثوري سعيد مرتضوي يدخل المعتقل ويرافقه العميد رادان نائب قائد قوات الأمن (رواية عدد من معتقلي الأحداث الأخيرة، بمن فيهم الطالب إبراهيم أميني الذي تم اغتصابه سبع مرات في المعتقل من قبل رجال الباسيج).

- مرتضوي: كم هو عددهم؟

العميد رادان: حوالي 400.

مرتضوي: كم عدد الرجال؟

العميد رادان: 369 رجلاً والباقي من النساء.

مرتضوي: افعلوا بهم ما فعله إخواننا في صدر الإسلام بيهود خيبر!

وفقاً لتقرير هيئة التحقيق والتفحص في مجلس الشورى الإسلامي، مرتضوي مسؤول عما جرى في معتقل كريزك -من القتل والتعذيب والاغتصاب- والذي اعترف تقرير الهيئة فقط بقتل ثلاثة من السجناء، بينما عدد القتلى في المعسكر يتجاوز العشرين، وبلغ عدد الذين تم اغتصابهم من المعتقلين والمعتقلات 26 شخصاً.

المجلس الخامس:

انتظروا قليلا والتاريخ يكرر نفسه.


January 29, 2010 09:44 AM







advertise at nourizadeh . com